حين تصبح الأسطورة حقيقة… أخطر عدوٍّ للحقيقة ليس الكذب!…بقلم د. أحمد سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
حين تصبح الأسطورة حقيقة… أخطر عدوٍّ للحقيقة ليس الكذب!
يخبرنا التاريخ أن الحقيقة لا تُصرع دائمًا بخنجر الكذبة السافرة التي يسهل اكتشافها وفضحها، وإنما قد تُهزم أحيانًا أمام شيء أكثر تعقيدًا ومخاتلة؛ أمام فكرةٍ تكررت حتى أصبحت مألوفة، وقناعةٍ توارثتها الأجيال حتى ظن الناس أنها من المسلّمات،
وأسطورةٍ ذهنية لبست ثوب الحقيقة حتى صار الاقتراب منها أو التشكيك فيها ضربًا من الجرأة أو الخروج عن المألوف.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فالكذب الصريح قد يبحث الإنسان عن دليلٍ يكشفه، أما الوهم حين يتحول إلى يقينٍ اجتماعي، فإنه لا يُنظر إليه بوصفه وهمًا أصلًا.
وقد عبّر عن هذا المعنى جون كينيدي بقوله: «إن العدو اللدود للحقيقة في كثير من الأحيان، ليس الكذب المتعمد والمصطنع، بل الأسطورة الراسخة، المقنعة، والمجافية للواقع».
والأسطورة هنا لا تعني الخرافة بالضرورة، وإنما تعني …
لا تهدم الآخرين… اهدم الأصنام التي في عقلك
إن الانتصار للحقيقة لا يعني أن نحول اختلافنا مع الآخرين إلى معركة.
ولا يعني أن نظن أنفسنا وحدنا نملك الحقيقة.
بل يعني أن نملك شجاعة مراجعة أنفسنا قبل مراجعة الآخرين.
أن نسأل عن مصدر المعلومة.
أن نقرأ الرأي المخالف.
أن نفرق بين المقدس والبشري.
أن نفرق بين النص وفهمنا للنص.
وأن ندرك أن بعض القناعات التي ندافع عنها بشراسة ربما لم نخترها أصلًا، وإنما وجدنا أنفسنا نعيش داخلها لأنها كانت المحيط الذي نشأنا فيه.
الحقيقة قد تكون مؤلمة… لكنها أرحم من الوهم
قد تكون الحقيقة مؤلمة في بدايتها، لأنها تجبرك على الاعتراف بأنك أخطأت، أو أنك وثقت في الشخص الخطأ، أو أنك صدقت قصة لم تكن صحيحة، أو أنك قضيت سنوات تدافع عن فكرة لم تفحصها جيدًا.
لكن ألم الحقيقة مؤقت، أما العيش داخل الوهم فقد يتحول إلى عمر كامل من الخسارة.
ولهذا فإن أول خطوة نحو النور ليست أن تدعي أنك تعرف الحقيقة، وإنما أن تمتلك الشجاعة لتقول:
ربما أكون مخطئًا.
ومن هنا يبدأ البحث.
ومن هنا يبدأ الوعي.
ومن هنا يتحرر العقل من سلطة المألوف.
فليس كل قديم صحيحًا، وليس كل منتشر صحيحًا، وليس كل مشهور عالمًا، وليس كل متداول حقيقة.
وقد يكون أخطر سجن للإنسان هو السجن الذي لا يرى قضبانه؛ لأنه يظن أنه يعيش في فضاء الحرية، بينما هو في الحقيقة أسير فكرة لم يسأل يومًا: من أين جاءت؟ وهل هي حق فعلًا؟
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من كل الأساطير، لكن الوصول إليها يحتاج إلى عقلٍ لا يخاف من السؤال، وقلبٍ لا يخاف من الاعتراف بالخطأ، ونفسٍ لا تجعل كرامتها مرتبطة بكونها دائمًا على صواب.
فلا تجعل ما اعتدتَ عليه ميزانًا للحق، ولا تجعل ما يوافق هواك دليلًا على الصواب.
اسأل، وتثبت، وابحث، وراجع…
فربما كانت أولى خطوات النور أن تكتشف أن بعض ما ظننته يقينًا طوال سنوات، لم يكن إلا أسطورةً محكمة النسج… أسرتَ نفسك داخلها طواعيه.

