مقالات و رأي

آية الشوبك.. حين يتحول الخطأ إلى مأساة ويصبح الانتقام جريمة …بقلم: دكتور أحمد سعودي

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

آية الشوبك.. حين يتحول الخطأ إلى مأساة ويصبح الانتقام جريمة

في كل مرة يخطئ فيها إنسان، يكون أمام المجتمع أكثر من طريق: النصح والإصلاح والقانون. لكن أخطر طريق أن يتحول الخطأ إلى فضيحة، والفضيحة إلى همز ولمز، والهمز إلى انتقام، ثم إلى دم.

وهذا لا يقرّه دين، ولا قانون، ولا عقل.

والعدل أن نترك الأمر للقضاء، وأن نحمي أبناءنا وبناتنا بالنصح والستر والإصلاح، لا بالدم والفضيحة.

وفي الحديث عن واقعة آية، ينبغي التأكيد أن التفاصيل المتعلقة بالواقعة ومسؤولية الأشخاص فيها تظل خاضعة لما تثبته جهات التحقيق والقضاء، ولا يصح أن تتحول الروايات المتداولة إلى أحكام نهائية على أشخاص أو أسرة أو قرية بأكملها.

لكن بعيدًا عن تفاصيل القضية التي يكشفها التحقيق، هناك سؤال أكبر يفرض نفسه على كل صاحب عقل وضمير:

هل الخطأ ــ إن ثبت ــ يبيح قتل الإنسان؟

الجواب في ميزان الشريعة واضح: لا.

أولًا: حرمة الدماء ليست مرتبطة برضا الناس أو غضبهم

يقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[الإسراء: 33].

هذه الآية تضع قاعدة عظيمة: الأصل حرمة الدم، ولا يجوز الاعتداء على النفس إلا بالحق الذي جعله الشرع معتبرًا، وليس بمجرد الغضب أو الشك أو كلام الناس.

بل إن القرآن شدد في أمر القتل العمد، فقال سبحانه:

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
[النساء: 93].

فلا يجوز أن يتحول الإنسان من فرد غاضب إلى قاضٍ، ثم إلى منفذ للعقوبة في اللحظة نفسها.

ثانيًا: حتى جريمة الزنا لها أحكامها وإثباتها

نعم، الزنا من كبائر الذنوب، والقرآن لم يترك الأمر للأهواء، بل قال سبحانه:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
[الإسراء: 32].

لكن الاعتقاد بأن مجرد الشبهة، أو الهروب من المنزل، أو كلام الناس، أو حتى رواية غير موثقة، يجعل الإنسان مستحقًا للقتل هو خلط خطير بين المعصية وبين إقامة الحدود.

فالقرآن شدد في أمر اتهام الناس في أعراضهم، فقال:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾
[النور: 4].

وهنا تظهر عظمة الشريعة في حماية الأعراض من الشائعات والاتهامات.

ثالثًا: لا يجوز لأحد أن يقيم الحد من تلقاء نفسه

هذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة جدًا.

الحدود والعقوبات القضائية ليست ملكًا للأفراد ولا للعائلات ولا للعشائر.

فلو افترضنا جدلًا ثبوت جريمة تستوجب عقوبة شرعية، فإن ذلك لا يجعل الأخ أو الأب أو أي فرد من أفراد الأسرة صاحب الحق في تنفيذ العقوبة بنفسه.

ومن هنا فإن قتل إنسان بدعوى “الشرف” لا يصبح مشروعًا لمجرد أن القاتل يدعي أنه كان يعاقب على خطأ أو معصية.

بل القرآن نفسه يقول في سياق القصاص:

﴿فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾
[الإسراء: 33].

فالدماء ليست ساحة للثأر الشخصي، ولا مجالًا لتصفية الغضب تحت أي مسمى.

رابعًا: سنة النبي تعلمنا خطورة التسرع في الدماء

ومن أعظم ما يوضح ذلك موقف النبي مع أسامة بن زيد رضي الله عنه.

فقد قتل أسامة رجلًا في القتال بعدما قال الرجل: «لا إله إلا الله»، وظن أسامة أنه قالها لينجو من القتل.

فلما بلغ ذلك النبي، أنكر عليه بشدة، وظل يكرر عليه:

«أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟»

رواه البخاري.

والعبرة هنا عظيمة: لا يجوز للإنسان أن يجعل الظن وسيلة لاستباحة الدماء.

فإذا كان النبي شدد في موقف قتال، فكيف يمكن أن يُستباح دم إنسان في حياة الناس العادية بمجرد ظنون أو كلام متداول؟

خامسًا: وماذا عن الفتاة التي أخطأت؟

لو ثبت أن فتاة وقعت في معصية، فهل انتهت حياتها؟

وهل لا يبقى أمامها إلا الموت؟

قطعًا لا.

فباب التوبة مفتوح.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
[الزمر: 53].

فالإنسان قد يضعف، وقد يخطئ، وقد يندم، وقد يعود إلى الله.

والواجب على المجتمع في مثل هذه الحالات أن يبحث عن الإصلاح والعلاج والحماية والتوبة، لا أن يدفع المخطئ إلى اليأس ثم يجعل نهايته جريمة أخرى.

سادسًا: هناك جريمة أخرى لا تقل خطورة: جريمة الألسنة

أحيانًا لا يحمل الإنسان سلاحًا، لكنه يحمل كلمة.

كلمة في مجلس.

وهمسة في أذن.

وتعليق على مواقع التواصل.

وسؤالًا بلهجة تحمل اتهامًا.

ثم تنتقل الكلمة من شخص إلى آخر حتى تصبح في نظر الناس “حقيقة”.

وهنا يحذرنا القرآن:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
[الحجرات: 12].

ويقول سبحانه:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12].

ويقول أيضًا:

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾
[الحجرات: 11].

فالهمز واللمز والسخرية وتتبع العورات ليست أمورًا بسيطة في ميزان الإسلام.

وقد تبدأ الحكاية بكلمة، ثم تصبح فضيحة، ثم يتحول الناس إلى محكمة شعبية، ثم يجد بعض ضعاف النفوس أنفسهم أمام جريمة لا يمكن إصلاح آثارها.

سابعًا: لا نحاكم قرية كاملة بسبب جريمة فرد

ومن المهم أيضًا ألا تتحول هذه المأساة إلى اتهام جماعي لأهل الشوبك الشرقي.

فكما لا يجوز أن نحكم على إنسان قبل أن يثبت ما نُسب إليه، لا يجوز كذلك أن نحمل قرية كاملة مسؤولية فعل فرد أو مجموعة من الأفراد.

في كل قرية أناس صالحون ومحترمون، وفي كل مجتمع قد تقع أخطاء وجرائم.

الجريمة لها فاعل، والمسؤولية لها أصحابها، والقضاء هو الذي يحددها بالأدلة.

أما التعميم فهو ظلم جديد فوق الظلم.

والرسالة الأخيرة

رحم الله آية، وأظهر الله الحقيقة كاملة، وألهم أهلها الصبر، وكشف كل ملابسات الواقعة بالحق والعدل.

لكن الأهم من تفاصيل هذه المأساة أن نتعلم جميعًا درسًا لا ينبغي أن ننساه:

الخطأ يُعالج، والمعصية بابها التوبة، والاتهام له بينة، والجريمة لها قانون، والدماء لها حرمة.

لا تجعلوا من أنفسكم قضاةً في الشوارع والمجالس ومواقع التواصل.

لا تقتلوا إنسانًا بكلمة.

ولا تجعلوا من الخطأ ذريعة للانتقام.

ولا تجعلوا من “الشرف” ستارًا لجريمة جديدة.

فالله سبحانه يقول:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.

وهذه الآية وحدها كافية لتوقظ في قلب كل إنسان يخشى الله معنى عظيمًا:

ليس كل خطأ يُقابل بالقتل، وليس كل شبهة تُبنى عليها الأحكام، وليس لأحد أن يستوفي العقوبة بنفسه.

والعار الحقيقي ليس في أن يخطئ إنسان ثم يندم ويطلب الإصلاح؛
إنما العار أن يتحول المجتمع إلى محكمة من الظنون، وأن تتحول الألسنة إلى سياط، وأن يتحول الغضب إلى دم.

فكم من كلمة أفسدت بيتًا، وكم من إشاعة ظلمت إنسانًا، وكم من همسة أشعلت نارًا لم يستطع أحد إطفاءها.

فلنحفظ ألسنتنا، ولنصن أعراض الناس، ولنترك الحكم للحق والقانون والقضاء، ولنتذكر أن الله سبحانه سيسألنا جميعًا عما نقول وما نفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى