هل يمكن لمصر أن تُحصّل إيرادات قناة السويس بالذهب؟… بقلم المستشار محمود فؤاد
تصور عملي لحماية قيمة أحد أهم مصادر الدخل القومي في مصر
هل يمكن لمصر أن تُحصّل إيرادات قناة السويس بالذهب؟
في عالم مضطرب اقتصاديًا، تتآكل فيه العملات وتتغير فيه موازين القوة المالية بسرعة غير مسبوقة، يظل الذهب هو الثابت الوحيد تقريبًا. ليس مجرد معدن نفيس،
بل مخزن للقيمة عبر آلاف السنين، لا يتأثر بقرارات البنوك المركزية ولا بانهيار العملات ولا بالتضخم الجامح. ومن هنا يبرز تساؤل جريء: لماذا لا تعيد مصر التفكير في طريقة تسعير إيرادات قناة السويس، بحيث تكون مرتبطة بالذهب بدلًا من العملات الورقية؟
الفكرة ببساطة تقوم على أن تكون وحدة تحصيل رسوم عبور القناة مرتبطة بسعر الذهب، وليس بالدولار أو أي عملة أخرى.
بمعنى آخر، يتم تحديد الرسوم بما يعادل قيمة معينة من الذهب، ويتم تحصيلها بما يقابلها من عملات وفقًا لسعر الذهب وقت التحصيل.
لننظر إلى الواقع بالأرقام:
قبل نحو 10 سنوات، كان سعر أوقية الذهب يدور حول 1200 إلى 1300 دولار. اليوم، وصل السعر إلى ما يقارب 3000 دولار للأوقية.
أي أن الذهب تضاعف أكثر من مرتين خلال عقد واحد.
ماذا يعني ذلك؟
يعني ببساطة أن أي إيراد كان مربوطًا بالذهب خلال هذه الفترة، قد تضاعفت قيمته الحقيقية دون الحاجة إلى أي زيادة فعلية في الرسوم. بينما الإيرادات المرتبطة بالدولار أو العملات الأخرى تآكلت قيمتها بفعل التضخم العالمي.
لو كانت مصر تعتمد هذا النظام، لكانت عمليًا قد “زادت رسوم قناة السويس” دون أن تعلن أي زيادة، فقط لأن وحدة القياس نفسها (الذهب) حافظت على قيمتها بل وارتفعت.
التحرر الذكي من هيمنة عملة واحدة
الميزة الأهم في هذا الطرح أنه لا يصطدم بأي دولة، ولا يُفسَّر كتحرك سياسي ضد عملة بعينها.
فبدلًا من استبدال الدولار بعملة أخرى، يتم ببساطة التحول إلى معيار محايد: الذهب.
ومن هنا يمكن تطبيق نموذج عملي بسيط:
يتم تحديد قيمة الرسوم بما يعادل وزنًا معينًا من الذهب، ثم تُعلن يوميًا قيمة هذا الوزن بعدة عملات، مثل:
ما يعادل 3000 دولار
أو 3050 يورو
أو 27000 يوان
225000روبيل روسي
وبذلك تُمنح السفن حرية السداد بأي من هذه العملات أو بعملة بلدها، وفقًا لما يعادل قيمة الذهب في يوم التحصيل.
بهذا الشكل:
لا يتم إلغاء الدولار أو استبعاده
ولا يتم استبداله بعملة منافسة بشكل مباشر
بل يتم تنويع سلة العملات بشكل طبيعي وهادئ
والنتيجة أن مصر تمتلك محفظة متنوعة من العملات الأجنبية بدل الاعتماد الكامل على الدولار، دون الدخول في أي صدامات اقتصادية أو سياسية.
ميزة إضافية: الاستقرار والانضباط
يمكن تنظيم هذا النظام بشكل عملي لتجنب أي ارتباك، وذلك من خلال:
تثبيت سعر أوقية الذهب مرة واحدة يوميًا عند افتتاح التعاملات
يظل السعر ثابتًا طوال اليوم
لا يتم تغييره إلا إذا تحرك عالميًا بنسبة كبيرة (مثل 10%)، وهو أمر نادر الحدوث في يوم واحد
بهذا يتحقق التوازن بين الاستقرار والمرونة.
الخلاصة
ربط إيرادات قناة السويس بالذهب ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو تصور عملي لحماية قيمة أحد أهم مصادر الدخل القومي في مصر.
كما أنه يفتح الباب أمام تنويع العملات وتعزيز الاستقلال المالي، دون صدام مع أي طرف دولي.
هو ببساطة انتقال ذكي من الاعتماد على عملة واحدة، إلى نظام أكثر توازنًا واستقرارًا…
حيث نُحصّل قيمة العبور الحقيقية، لا قيمة تتآكل بمرور الزمن.
ربما حان الوقت لطرح السؤال بجدية:
هل نستمر في التسعير بعملات تتغير قيمتها، أم نعود إلى معيار يحفظ القيمة مهما تغير العالم؟

