تقارير و تحقيقات

مصر وإعادة تشكيل موازين القوة في القرن الافريقى والشرق الأوسط والبحر الأحمر

زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة في مواجهة الشراكة الأمريكية–الإثيوبية وتصاعد الضغوط الإقليمية

تقرير / محمد هيكل
تدخل مصر في النصف الثاني من عام 2026 مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة إعادة تموضع استراتيجي شامل.

فالقاهرة تواجه في وقت واحد أربعة مسارات متداخلة:

تصاعد الخلاف مع إثيوبيا حول مستقبل مياه النيل وسد النهضة والسدود الإثيوبية الجديدة.
انتقال العلاقات الأمريكية–الإثيوبية إلى مستوى أمني ودفاعي أكثر تقدمًا.

اضطراب البيئة الأمنية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، مع استمرار تداعيات الصراع الأمريكي–الإيراني.
صعود الدور الصيني في المنطقة، وتحديدًا من بوابة مصر.

وفي هذا السياق جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، التي اختتمت في 2 سبتمبر 2026، لتؤكد انتقال العلاقات المصرية–الصينية من التركيز التقليدي على التجارة والبنية الأساسية إلى مجالات أكثر حساسية،

تشمل التكنولوجيا والصناعة وسلاسل الإمداد والتعاون الأمني. وقد ربطت بكين خلال الزيارة بين أمن الشرق الأوسط وضرورة قيام دول المنطقة بدور أكبر في صياغة منظومة الأمن الإقليمي.

زيارة شي لا تعني أن مصر قررت الانتقال من المظلة الأمريكية إلى المظلة الصينية، وإنما تعكس محاولة مصرية لإقامة توازن متعدد المحاور يمنع أي قوة دولية أو إقليمية من امتلاك القدرة على فرض إرادتها منفردة على القاهرة.

ثانيًا: البعد السياسي
1. مصر بين واشنطن وبكين
المعادلة المصرية الجديدة لا تقوم على “أمريكا أم الصين”، وإنما على:

أمريكا + الصين + أوروبا + روسيا + الخليج + القوى الإقليمية.

وهذه السياسة تمنح القاهرة مساحة للمناورة.

فمصر ما زالت مرتبطة بالولايات المتحدة في ملفات عسكرية وأمنية واقتصادية شديدة الأهمية، لكن زيارة شي في هذا التوقيت ترسل رسالة واضحة بأن القاهرة تمتلك خيارات استراتيجية أخرى.

واللافت أن الصين نفسها تصف العلاقة مع مصر بأنها شراكة استراتيجية شاملة، فيما شهدت زيارة شي توقيع اتفاقات تتعلق بالذكاء الاصطناعي والصناعة والتجارة وسلاسل الإمداد والحزام والطريق.

إذن، الرهان المصري ليس على الصين كبديل للولايات المتحدة، بل على التعددية الاستراتيجية.

ثالثًا: إثيوبيا والولايات المتحدة
يمثل انتقال العلاقات الأمريكية–الإثيوبية إلى مستوى شراكة استراتيجية وأمنية تطورًا مهمًا بالنسبة إلى القاهرة.

المشكلة ليست في التعاون الأمريكي–الإثيوبي في حد ذاته، وإنما في احتمال أن يتحول هذا التعاون مستقبلًا إلى نفوذ سياسي أمريكي أكبر داخل ملف النيل.

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

الشراكة الأمنية الأمريكية–الإثيوبية لا تعني تلقائيًا أن واشنطن تؤيد الموقف الإثيوبي في سد النهضة.

لكنها تمنح أديس أبابا وزنًا إضافيًا في واشنطن، وقد تزيد قدرتها على المناورة.

ومن ثم فإن القاهرة أمام معادلة دقيقة:

كلما زاد النفوذ الأمريكي في إثيوبيا، زادت حاجة مصر إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية، وليس إلى قطع علاقتها بواشنطن.

رابعًا: سد النهضة — من أزمة سد إلى صراع على منظومة النيل
التحول الأخطر هو انتقال الخطاب الإثيوبي من الدفاع عن سد النهضة إلى الحديث عن تطوير موارد مائية إضافية.

وقد أثارت تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا حول حق إثيوبيا في تطوير مواردها المائية، إلى جانب الحديث عن سدود إضافية، مخاوف مصرية من تحول سد النهضة من مشروع منفرد إلى جزء من منظومة أوسع للسيطرة على مياه النيل الأزرق.

لكن من الضروري استراتيجيًا عدم الوقوع في خطأ مساواة “إعلان إنشاء سدود” بـ”تحقق خطر مائي مباشر”.

التأثير الحقيقي يعتمد على:

موقع السدود.
أحجامها التخزينية.
الغرض منها.
توقيت تشغيلها.
قواعد الملء والتفريغ.
العلاقة التشغيلية بينها وبين سد النهضة.
حجم التصريف السنوي للنيل الأزرق.
الخطر الاستراتيجي الأكبر ليس عدد السدود، وإنما غياب اتفاق ملزم لتشغيل منظومة السدود الإثيوبية ككل.

وهنا تتحول القضية من خلاف فني إلى قضية أمن قومي مصري طويلة المدى.

خامسًا: الأوراق المصرية في مواجهة إثيوبيا

تمتلك القاهرة أوراقًا أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.

الورقة الأولى: السودان
السودان يمثل العمق الجنوبي المباشر لمصر.

وأي إعادة تشكيل لقوة إثيوبيا المائية والعسكرية في منطقة بني شنقول–النيل الأزرق تنعكس مباشرة على الأمن المصري.

لذلك فإن استقرار الدولة السودانية ووحدة مؤسساتها يمثلان بالنسبة إلى القاهرة قضية أمن قومي، وليس مجرد ملف خارجي.

الورقة الثانية: الصومال

تطوير العلاقات العسكرية والسياسية مع الصومال يمنح مصر موطئ قدم سياسيًا وأمنيًا في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لإثيوبيا.

لكن يجب استخدام هذه الورقة بحساب شديد؛ لأن الهدف المصري الأفضل هو الردع والتوازن، وليس تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة حرب بالوكالة.

الورقة الثالثة: البحر الأحمر
وجود مصر على البحر الأحمر وقناة السويس يمنحها قيمة استراتيجية لا تستطيع إثيوبيا امتلاكها.

إثيوبيا تحتاج إلى البيئة الإقليمية للبحر الأحمر، بينما مصر تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمتوسط.

الورقة الرابعة: الولايات المتحدة
القاهرة تستطيع إقناع واشنطن بأن إضعاف مصر في ملف المياه قد يخلق أزمة استراتيجية أكبر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الورقة الخامسة: الصين
وهي الورقة الأكثر أهمية في المرحلة الحالية.

الصين لديها مصلحة مباشرة في استقرار قناة السويس وسلاسل الإمداد والتجارة مع أوروبا وأفريقيا.

وبالتالي فإن استقرار مصر يمثل مصلحة صينية.

 البعد العسكري
هل نحن أمام سباق تسلح مصري–إثيوبي؟
هناك احتمال لتصاعد سباق النفوذ العسكري والتكنولوجي، لكن ليس بالضرورة أن يكون في صورة حرب تقليدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى